ســأ م .. يقتلنى و يفقدنى إتزانى , لأنه يتسلل كنصل حاد لسيف صدئ من خلفى و من أمامى و من تحتى , فلا أعرف من أى إتجاه هو قادم كى أنصب له خطوط دفاع . لذلك أنا تعس , مهموم , شا رد , مراّ تى لا تعكس أيه ملامح , فأ حدق و لا أرى إلا الغور السحيق .. فأ حدق و أحدق , حتى لا أرى شيئا على الإطلاق . غير أنى بالأمس , داعبنى شيطان ما كر أكاد أرسم له بعض الملامح من خيالى , فأ راد أن نعبث سويا ببعض صناديق الذاكرة , أو دعنا نقول – إذ أن كلمة الذاكرة ليست دقيقه تماما – بعض الصناديق المغلقه فى مكان ما بالداخل . فى بادئ الأمر لم ألق بالا , و تصنعت الإنشغال و العبث ببعض الأشياء , لكن ذلك الشيطان للحق , كان لحوحا , ذكيا , كان يعرض على فى البدء بعض الصناديق القديمه و التى كنت قد نويت التخلص منها , فلا يستفز خيالى سوى بعض الصور لأشخاص عابرون , رحلوا من زمن .. حتى فاجأنى ذلك اللعين بذلك الصندوق الفضى اللامع , و أنعكس ضوءه الباهر على حدقتى المتعبه فأ نتبهت فى الحال … لا .. إلا هذا الصندوق أرجوك . يضحك بلئم و خلاعة . رويدا رويدا أضعف أمامه , ولكن لنقل أنه الفضول , أو أنها تلك الرغبه العارمه التى تتملكنا حين نفــض هدايا أعياد الميلاد . نشوة غامرة , عادة , نستقبل بها الشئ الغامض والطريق الغامض و الإحساس الجديد . أ أعبث فى ذلك الصندوق ؟ أ أغامر ؟ أذن هو صندوقك أنتى ! أنتى بالتحديد . لامع مثلك , فضى بارد .. بالداخل جسدك العارى ممد , أبيض كقلب اللوز , ناعم كملمس طفل . أتذكر شوارع ذلك الجسد الرحبة , وكيف أنى أمضيت أعواما أتجول مدهوشا بين كل هذا البياض , أتهلل فرحا حين أكتشف المزيد من الأركان و الأزقة فأدخلها غازيا فاتحا . و لكن ماذا تظنين ؟ هل تظنين أنى أعمى ؟ و لا ألاحظ أثار الأقدام ؟ عفوا .. لم أعد ذلك الرجل الخجول – كصديقة عذراء – كما داعبتينى فى أول لقاء .. أتعلمين .. أنتى بلهاء !! ذلك لأن من كان يحاصر مساحات بياضك بساعديه , لم يكن أنا .. لأنى فى ذلك الحين أكون قد تسللت من خلالك و دلفت إلى رحمك جنينا من جديد , أتكور و أتمدد و أعوى , وأنسج عالما أوليا شفافا , يحيا ويستمد كيانه من عالم أخر .. أزرق صباحا و مساء . ألم تسمعى صياحى بداخلك .. أنا بداخلك بذرة إله , تلدينى ربا كل مساء . وكل مساء , كنت أرى أثار الأقدام تسخر منى و تخرج لسانها لى , ولكنى أغفر ….فأ نا الإله كل مساء . لقد كنت راضيا بتلك الحيا ة حتى الليله , معشوقا يزاحمه فى المدينة البيضاء عشرات السكان ..أتعلمين .. من المحال أن نرى كل شئ مرة واحدة , أو أن تكتمل الصورة دون أن نعيش كافة التفاصيل لحظة بلحظة , فنرى ما كنا لا نراه أو ما حاولنا ألا نراه . فى سويعات الالليل الأخيرة , كنت كالمحموم , سيل لا نهائى من الصور يتدافع أمام عينى , ويملأ أذنى بصخبك , وأرى كل شئ . اليوم الأول للقائنا با لمرقص , هذا النبض المحموم السارى فى لمساتنا , تلامس أرجلنا تحت المائدة فى غفلة الأصدقاء , و تلك الرعشة الخاطفة التى أعقبتها ضحكة ماكرة منك . أقسم لك .. حتى تلك اللحظة , لم أحاول أن أكون جلفا كرجل , بل أنى كنت أريد أموت بكاءا على صدرك وأقول ما لم أقله من قبل . كلمه كلمه مما تحدثنا به تلك الأعوام , أسمعها الان . ولكن , تبرز المشكلة : أشعر بالســأ م الان , و هو كنصل حاد لسيف صدئ , ولكنى أعرف من أى طريق هو قادم . لن تحتفظى بى ذلك الطفل المندهش دوما أمام تلك التلافيف البيضاء , ولم أستمر ذلك البرئ الذى يرى الدنيا من خلالك … فقد أصبحت فى جلافة رجل , خشن , مفتول الساعد . و فى كل مرة , تتناثر ضلوعك حين أضمك إلى صدرى , تهللين : تلميذى !! ها أنا ذا قد ســأ مت اللعبة … رعشتنا القديمة أصبحت هزة , كتلك التى يشعر بها راكب القطار كل ثانية ..عادية . حتى إحساسى بأ نى ربا لك كل مساء , حتى هذا الإحساس .. زائف , إذ كيف أكون معبودا بالمساء و مخدوعا حين أنام . شئ أخر … إنى أرى الان أشياءا لم أرها من قبل … نعم .. تلك الحياة جميلة , بها كل الأشياء الرائعة المحتجبة منذ سنين . أرى الان بوضوح تام , كل شئ بلونه و بحجمه , أرى من أين يتسلل الســأ م , أنه من ذلك الجسد الممد بعريه الأبدى .. من تلك الأعين المحدقة و التى حتما تقذفنى بالجنون … رائحة البوار , و الأجل المسرع نحو ما لا أعرف , و ما ليس مؤكد لى …. عفوا لا أستطيع . باســم / 11 /9 / 1989
أجازة
Posted مارس 2, 2007 by bassem68Categories: Uncategorized
اليوم هو يوم الجمعة , عطلته الرسمية . حتى العاشرة صباحا .. جسده النحيف مازال منكمشا فى زاوية فراشه , وشخيره العالى يخترق صمت الغرفة .إخترقت زوجته ذلك الصمت المزعج , وبحركة عنيفة من يدها أخذت توقظه .
مفزوعا قام …رمقها بنظرة لو لم تترجمها هى بأن تترك الغرفة فى الحال , لأطاحت يده برأسها .عاد إلى رقدته , بعينين حمراويين محملقتين , أشعل سيجارته , أدرك أن رأسه قد بدأ فى العمل , وها هو يتلو عليه مونولوج الصباح :- ” خمس و أربعين عاما تنام و تقوم وتذهب وتأتى وتعمل و تنجب أطفالا , خمس و أربعين عاما لا تقول إلا حاضر , طيب , نعم .. فقد أذاقوق يوما مرارة الــــلا , و ها أنت ترفل فى نعمة الــــنعم .خمس و أربعين عاما تسأل نفسك : من أنا ؟ لماذا أنا هنا ؟ أنا أريد شيأ أخر .. حياه أخرى ..ماذا أريد ؟ ” نظر إلى سيجارته التى أحترقت إلى نصفها , فأطفأها , ثم طوى جفنيه …. و نام